عمر فروخ

169

تاريخ الأدب العربي

لو عدلتنّ تساهمنا الهوى ، * مثل ما كنّا اشتركنا نظرا : نظر موّه دمعا لم يزل * يفصح الوجد به حتى جرى . ما على الغيران من سقيا الحمى ؟ * أحرام عنده أن يمطرا ! - وقال في قلة المبالاة بالواشين : ما على الواشين من حرج ؛ * مثل ما بي ليس ينكتم . زعموا أني أحبّكم ؛ * وغرامي فوق ما زعموا ! - من كتاب « سرّ الفصاحة » ( ص 194 - 195 ) : . . . . ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام حتّى يعبّر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة . وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس حتّى إنّهم إنّما يستحسنون من كتاب اللّه تعالى ما كان بهذه الصفة . ومن الناس من يقول : إنّ من الكلام ما يحسن فيه الاختصار والإيجاز كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ، ومنه ما يحسن فيه الإسهاب والإطالة كالخطب والكتب التي تحتاج ( إلى ) أن يفهمها عوامّ الناس وأصحاب الأذهان البعيدة « 1 » ، فإنّ الألفاظ إذا طالت فيها وتردّدت في إيضاح المعنى أثّر ذلك عندهم ، ولو اقتصر فيها على وحي الألفاظ وموجز الكلام لم يقع لأكثرهم حتّى يقال في ذكر السيف : الحسام القاطع الجزّار الباتر ، وفي وصف الشجاع : البطل الفاتك النجد « 2 » الباسل ، وما يجري هذا المجرى . وقالوا : « ربّما كان ذلك ( في ) الكتاب بالفتح « 3 » أو ( في ) الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لغط الناس وصخبهم فيحتاج إلى تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك ( في ) ما هو في معناه . والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرار المعاني والألفاظ « 4 » الدالّة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة - وإن كان الغرض في الأصل واحدا - فليس هذا ممّا نحن بسبيله لأنّه بمنزلة إعادة كلام واحد مرارا

--> ( 1 ) لعلها : البليدة راجع ص 170 ، السطر الثالث . ( 2 ) النجد ( بفتح النون وضم الجيم ، أو بفتح النون وكسر الجيم ، أو فتح النون وضم الجيم ) : الشجاع . ( 3 ) الظفر في الحرب . ( 4 ) لعلها : بالألفاظ .